الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عنهم . وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) . عطف على جملة وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله : فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وعلم اللّه بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح . فإن كان المراد من الَّذِينَ آمَنُوا هنا معنى الّذين آمنوا إيمانا راسخا كاملا فقد صار المعنى : أنّ علم اللّه برسوخ إيمانهم يحصل بعد مسّ القرح إيّاهم ، وهو معنى غير مستقيم ، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العلم ، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا : إنّ اللّه عالم بالكلّيات بأسرها ، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه ، علما كالعلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال ، وأنّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علما بوجه كلّي . ومعنى ذلك أنّه يعلمها من حيث إنّها غير متعلّقة بزمان ، مثاله : أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه ، وأنّ صفته تكون كذا وكذا ، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشّمس والخسوف والسّير في أمد كذا . أمّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه ، وكذلك حصول عوارضه ، فغير معلوم للّه تعالى ، قالوا : لأنّ اللّه لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم ، أو لزم جهل العالم ، مثاله : أنّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علما أزليا ، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفة به من صفة إلى صفة ، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف ، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلم جهلا ، لأنّ اللّه إنّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل . ولأجل هذا قالوا : إنّ علم اللّه تعالى غير زماني . وقال المسلمون كلّهم : إنّ اللّه يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها ، وعند حصولها . وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالم والمعلوم ، والإضافات اعتباريات ، والاعتباريات عدميات ، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة : أي صفة وجودية لها تعلّق ، أي نسبة بينها وبين معلومها . فإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم ، ونظّروا ذلك بالقديم يوصف بأنّه قبل الحادث ومعه وبعده ، من غير تغيّر في ذات